لا يكفي توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، مع كل ما أثاره من جدل، للحديث عن اختراق مكتمل في ملف الجنوب. صحيح أنه ينقل المفاوضات من مرحلة التمديد والمساومات المفتوحة إلى ورقة سياسية معلنة برعاية أميركية، غير أنه لا يحسم السؤال الأهم: هل يفتح طريق الانسحاب الإسرائيلي، أم يمنح تل أبيب غطاءً جديداً لإدارة بقائها في الجنوب تحت عنوان أمني؟ وهو ما عكسه سريعاً حديث رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو عن "إنجاز".
من هنا تبدو أهمية ما جرى في واشنطن في أنه أنهى مرحلة من التفاوض، لكنه فتح مرحلة أشد تعقيداً في التنفيذ والتفسير. فواشنطن تستطيع تقديمه بوصفه خطوة إلى الأمام، ولبنان يستطيع التمسك بما يتضمنه من حديث عن انتشار الجيش واستعادة الدولة مساحاتٍ جنوبية. غير أن القراءة الإسرائيلية التي أعقبت التوقيع كشفت وجهاً آخر للاتفاق، بعدما حرص نتنياهو على تقديمه إنجازاً يثبّت بقاء إسرائيل في "المنطقة الأمنية" ما لم يُنزع سلاح "حزب الله". وبعد صدور "إعلان النوايا" بصيغة "إطار عمل" وفق التوصيف الإسرائيلي، يبدو الملف مفتوحاً على كل الاحتمالات، لا سيما أن الفارق شاسع بين اتفاق يضع الانسحاب في قلب المرحلة المقبلة، واتفاق يفتح مناطق تجريبية محدودة مع إبقاء حرية العمل الإسرائيلية فيما تسمّيه تل أبيب "الخط الأصفر"، وربط أي انسحاب أوسع بملفات أمنية لا تبدو قابلة للحسم السريع.
أكثر من ذلك، جاء الخطاب الإسرائيلي بعد التوقيع ليُفاقم من حساسية هذا الامتحان. فبدلاً من أن يُعرض الاتفاق خطوةً أولى نحو إنهاء الوجود الإسرائيلي في الجنوب، جرى تسويقه في تل أبيب بوصفه ضربةً لإيران ومنعاً لما قيل إنه محاولة لفرض انسحاب إسرائيلي أحادي الجانب. وهكذا يغدو الاتفاق في قراءته الإسرائيلية الأولى ليس تنازلاً أمام لبنان، إنما تثبيتاً لمعادلة مفادها أن إسرائيل تنسحب مما لا تحتاج، وتبقى حيث ترى أن أمنها يستوجب البقاء.
بين النص السياسي والتفسير الإسرائيلي
في السياق اللبناني، لا تكمن المشكلة مع إسرائيل غالباً في شحّ النصوص. فمنذ القرار 1701 عام 2006، مروراً بورقة تشرين الثاني 2024 المرافقة لوقف إطلاق النار، وصولاً إلى اتفاق الإطار الموقَّع في واشنطن، أنتج هذا المسار وثائق أكثر مما أنتج تغيّرات راسخة على الأرض. وكل هذه النصوص تتقاطع عند العناوين ذاتها: حصرية السلاح، وبسط سلطة الدولة، ووقف الأعمال العدائية، واستعادة الاستقرار في الجنوب.
لكن المشكلة تبدأ حين يحين وقت التنفيذ، إذ تتحول كل عبارة إلى مادة للتأويل، وكل التزام إلى موضوع للتفاوض من جديد، وكل مرحلة انتقالية إلى وضع مزمن. لذا لا يمكن التعامل مع اتفاق الإطار إنجازاً مكتملاً بذاته، ما لم يكن واضحاً في تحديد ما يعقبه مباشرة: أين تنسحب إسرائيل؟ متى ينتشر الجيش اللبناني؟ من يتحقق من إزالة الأنفاق والبنى العسكرية؟ ومن يملك أدوات الضغط عند حدوث خرق؟
فإذا بقي الاتفاق عند حدود المبادئ العامة مع منطقتَين تجريبيتَين تقول إسرائيل إن جيشها لا يحتاجهما عملياً، تتحول الخشية إلى أن يُمسي "إطار العمل" صيغةً لإدارة الوضع القائم لا لتغييره. حينئذٍ تستطيع واشنطن إعلان تقدّم، وقد يستطيع لبنان القول إنه لم يتنازل عن مطلب الانسحاب، فيما تحتفظ إسرائيل بالجزء الأهم من معادلتها: البقاء في المنطقة الأمنية، وحرية العمل داخل الخط الأصفر، وربط أي انسحاب لاحق بنزع سلاح "حزب الله".
أما إذا تحولت المناطق التجريبية إلى بداية انسحاب فعلي من أراضٍ محتلة، مع انتشار واضح للجيش اللبناني وآلية مراقبة مرتبطة بمهل زمنية ونتائج قابلة للقياس، فسيكون الأمر مغايراً. حينها فقط يمكن القول إن واشنطن انتقلت من إدارة الحوار إلى إدارة التنفيذ. والفارق بين الحالتَين جوهري؛ فالورقة التي لا تُفضي إلى حركة على الأرض ستبقى أقرب إلى شراء الوقت، في حين أن الورقة التي تضع الانسحاب في صميمها ستفتح امتحاناً حقيقياً لكل الأطراف.
العقدة الإسرائيلية
أظهر مسار ما بعد التوقيع أن العقدة لم تكن في الوصول إلى نص مشترك وحسب، بل في المعنى الذي سيُعطى لهذا النص. فإسرائيل سارعت إلى تسمية الاتفاق "إطار عمل" لا اتفاق انسحاب، وقدّمته إنجازاً في مواجهة إيران لا تنازلاً أمام لبنان. وتجلّى ذلك في خطاب نتنياهو الذي لم تكن نقطته الأهم المناطقَ التجريبية، بل بقاء إسرائيل في المنطقة الأمنية جنوبي لبنان ما لم يُنزع سلاح "حزب الله" وما لم تزل تل أبيب تعدّ المنطقة مصدر خطر.
هذه القراءة الإسرائيلية تضرب قلب الإشكالية اللبنانية. فإذا كان لبنان يتعامل مع الاتفاق مدخلاً إلى انسحاب تدريجي وانتشار أوسع للجيش، فإن إسرائيل تتعامل معه آليةً تنظّم الانسحاب من مناطق محدودة لا تحتاجها عسكرياً مع تثبيت سيطرتها على ما تعدّه ضرورياً لأمنها. وبهذا المعنى تغدو المناطق التجريبية اختباراً مزدوجاً: هل هي بداية تفكيك الوجود الإسرائيلي، أم مجرد مساحة صغيرة تُتاح للجيش اللبناني كي يبقى الخط الأصفر قائماً؟
والأخطر أن الحديث الإسرائيلي عن حرية العمل داخل مناطق الخط الأصفر، وعن ملحق عسكري يتعلق بأنفاق "حزب الله" وبنيته العسكرية، يعني أن الملف لم ينتقل من الأمن إلى السياسة، بل بقي الأمن اللغةَ الحاكمة للسياسة. فكلما بقيت إسرائيل قادرة على تعريف الخطر وحدها، وتحديد متى تتدخل ومتى تبقى ومتى تمنع العودة، بات الاتفاق أقرب إلى صيغة تمنحها شرعية الحركة لا إلى وثيقة تضبطها.
يُضاف إلى ذلك أن نتنياهو ربط الاتفاق علناً بالصراع مع إيران لا بالمسار اللبناني وحده، إذ قدّمه رسالةً مشتركة من إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة إلى طهران، بما يوحي بأن واشنطن أرادت منه أن يكون جزءاً من هندسة إقليمية أوسع لا مجرد ترتيب ميداني في الجنوب. ويزيد هذا البعد من حساسية الموقف اللبناني، لأن أي ورقة تُقرأ في إسرائيل جزءاً من مواجهة إيران ستُقرأ في الداخل اللبناني من زاوية موقع "حزب الله" ودور الدولة وحدود القرار الوطني.
المناطق التجريبية
تبدو فكرة المناطق التجريبية في ظاهرها مدخلاً عملياً إلى تنفيذ الاتفاق؛ فهي تُتيح اختبار قدرة الجيش اللبناني على الانتشار، وقدرة آلية المتابعة على التحقق، وقدرة الأطراف على منع العودة إلى الاشتباك. غير أن قيمتها الحقيقية لا تُقاس بوجودها في النص، إنما بموقعها ووظيفتها: هل تقع في مناطق تشكّل جزءاً من الوجود الإسرائيلي الفعلي؟ وهل تمثّل بداية مسار متدرّج نحو الانسحاب؟ أم أنها مناطق هامشية لا تمسّ جوهر السيطرة الإسرائيلية على المنطقة الأمنية؟
هنا تبرز خطورة ما صرّح به نتنياهو من أن الجيش الإسرائيلي لا يحتاج هذه المناطق؛ فإذا كان الانسحاب التجريبي سيجري من مناطق لا يحتاجها الجيش أصلاً، فقد تتحول التجربة إلى خطوة رمزية أكثر منها تنازلاً ميدانياً.
كما أن منع عودة "حزب الله" والسكان إلى المنطقة الأمنية، وفق القراءة الإسرائيلية، يطرح إشكالية إضافية. فالاتفاق المفترض أن يفتح طريق استعادة الدولة للأرض قد يتحوّل، إذا قُرئ بهذه الطريقة، إلى تنظيم جديد للفراغ السكاني والأمني في الجنوب؛ إذ لا يكفي أن ينتشر الجيش اللبناني في نقاط محدودة إذا بقيت مساحات واسعة محكومة بمنع العودة وحرية العمل الإسرائيلية. لهذا، لا يمكن النظر إلى المناطق التجريبية باعتبارها تفصيلاً تقنياً؛ فهي قلب الاختبار.
رقابة أم ضمان؟
في خلفية هذه النقاشات يبرز حديث عن خلية متابعة لوقف النار تكون واشنطن وبيروت وطهران، بصورة أو بأخرى، جزءاً من معادلتها السياسية، مع دور رقابي يُفترض أن يساعد في تثبيت التنفيذ. وللوهلة الأولى تبدو الفكرة ذات قيمة، لأنها تُقرّ بأن وقف النار لا يستطيع البقاء معلّقاً على البيانات، وأن أي تفاهم يحتاج إلى قناة تراقب وتوثّق وتمنع الانزلاق. كما أنها تعكس واقعاً سياسياً لا يمكن تجاهله: الملف اللبناني لم يعد محلياً ولا لبنانياً-إسرائيلياً وحسب، بل صار جزءاً من توازن أوسع بين واشنطن وطهران وتل أبيب وبيروت.
غير أن إعلان إسرائيل تمسّكها بحرية العمل في مناطق الخط الأصفر يطرح سؤالاً مباشراً على أي آلية متابعة: ما قيمة الرقابة إذا كان أحد الأطراف يحتفظ مسبقاً بحق التحرك العسكري متى رأى خطراً قائماً؟ عندها لا يعود النقاش تقنياً حول من يراقب ومن يكتب التقرير، بل يصبح سياسياً حول من يملك تفسير الخرق. فإذا بقيت إسرائيل صاحبة الكلمة في تعريف التهديد، فإن أي خلية متابعة قد تتحول شاهداً على الوقائع لا ضامناً لمنعها.
في المحصلة، لن يُقاس نجاح اتفاق واشنطن بمجرد توقيعه ولا بالاحتفاء الدبلوماسي المرافق له، بل بما إذا كان سيُغيّر شيئاً على الأرض في الجنوب. فالامتحان الحقيقي سيكون في المناطق التجريبية نفسها: هل تتحول إلى بداية انسحاب فعلي، أم إلى نموذج محدود يثبّت أن إسرائيل تنسحب مما لا تحتاج وتبقى حيث تريد؟ وهل يمنح الاتفاق الجيش اللبناني فرصة فعلية لتسلّم الأرض، أم يضعه أمام اختبار عسير بين انتشار محدود وحرية عمل إسرائيلية واسعة؟
في تاريخ هذا الملف نمط متكرر: تُنتج الأزمة نصوصاً كلّما تعذّر إنتاج تسويات. فالقرار 1701 كان تعبيراً عن عجز التوافق على نزع السلاح فأُنتج نص يُبقي على الغموض. واليوم جاء "إطار العمل" في واشنطن ليصوغ الغموضَ ذاته في حلّة جديدة: مناطق تجريبية، وملحق عسكري، ورقابة، وحرية عمل إسرائيلية. الفارق الوحيد الذي قد يجعل هذه الوثيقة أكثر من سابقاتها هو ما ستُفصح عنه الأسابيع المقبلة: هل ينتقل الاتفاق من ورقة إلى انسحاب، أم يدخل الجنوب مرحلة تُدار فيها الأزمة ولا تُحلّ؟

















































